الخميس، 7 أكتوبر، 2010

مدخل لمسالة مطلب الكلي

الدرس: مدخل لمسالة مطلب الكلي
السند: حوار حول تجربتي مع الفلسفة
السؤال: ماذا تعلمت من الفلسفة؟

I) تمثلات التلاميذ:

1- تعلمت أن طريق الفلسفة عالم من الأفكار، فهي لا تتعامل قط مع اليومي والحسي علي نحو مباشر. وهذا هو السبب في غموض الفلسفة وصعوبتها، لأنها تحتاج إلى الارتفاع من المحسوس إلى اللامحسوس مما يتطلب مجهودا كبيرا من الإنسان حيث يولد الطفل ملتصقا بالأشياء المادية ويحتاج إلى فترة طويلة ليكون قادرا علي التجريد وبعض الناس لا يقدرون عليها أبدا
هناك شكوى عامة من غموض الفلسفة، والتباس افكارها ومشكلاتها على ذهن القارئ العادي غير المدرب، ولقد كان هيجل يعترض على هذه الشكوى ويردها الى عاملين اساسيين:
العامل الاول: كل الناس، يعتقدون انهم في استطاعتهم ان يتفلسفوا وان يفهموا الفلسفة دون ان يبذلوا ادنى جهد في فهم الافكار والمذاهب الفلسفية. وهذا خطأ شائع! لان الفلسفة كأي علم آخر لها مفاتيحها الخاصة، ومصطلحاتها التي تحتاج الى جهد ودراسة، فلو انك فتحت كتابا في الطب لوجدته عسيرا بالغ الصعوبة، طالما انك لم تدرس المصطلحات الطبية الخاصة، بل انك لكي تصنع حذاء، فان عليك ان تتعلم صناعة الاحذية، على الرغم من انك تملك في يديك القدرت الخاصة، وفي قدميك المقاس الخاص".
اما العامل الثاني الذي يجعل من الفلسفة علما صعبا فهو ان الفلسفة تعنى الارتفاع من المحسوس الى اللامحسوس او المجرد او الفكر الخالص، وهذا الارتفاع يحتاج من القارئ لكي يفهمه ان يبذل جهدا كبيرا، وذلك بسبب التصاقه بالاشياء المادية او العالم المادي من حوله منذ طفولته الاولى.
" أن الناس يشكون من غموض الفلسفة دون أن يحاولوا بذل الجهد في فهم مصطلحاتها الخاصة متعللين بحجة واهية، هي أنهم يملكون عقولا قادرة علي فهمها، مع أنهم يسلمون بأنك تتعلم صناعة الأحذية، فلابد لك أن تتدرب علي هذه المهنة علي الرغم تملك في يديك القدرات الخاصة، وفي قدميك المقاس الخاص..".. وما يقال على الفرد يقال علي الأمة.. ( هيغل)
2- تعلمت أن الفلسفة فكر مضاعف أو فكر لاحق اي أن هناك فكرا أول هو الذي ينشأ في حياة الناس اليومية في جميع المجالات. والفلسفة تجعل هذا الفكر الأول موضوعا للدراسة، فتكون فكرا في فكر أو فكرا ثانيا.ان الفيلسوف لا يزاحم العالم في مخبره لكنه يدرس ما يدرسه العالم، يفكر في ما فكر فيه العالم.
ومن هنا، فان الفلسفة تأتي متأخرة بعد أن تكون الحياة قد دبت بين الناس بالفعل، وقامت ألوان مختلفة من النظم تتوجها الفلسفة في النهاية. وهذا معني عبارة هيغل الشهيرة في فلسفة الحق: " أن بومة منيرفا.. minerva لا تبدأ في الطيران إلا بعد أن يرخي الليل سدوله…"
" أصول فلسفة الحق ( هيغل)
3- تعلمت أن المبدأ الذي تركز عليه الفلسفة هو في النهاية " فكرة " فالفلاسفة الذين اعتبروا ان اصل الكون الماء اوالهواء أو النار اوالتراب.. فإنهم كانوا يقصدون فكرة المادة وفكرة الهواء وفكرة النار
4- تعلمت ان التفكير الفلسفي سلب/نفي لأنه يغير شكل الأشياء الفردية التي نلتقي في حياتنا اليومية التقاء مباشرا كهذه الشجرة وتلك المنضدة، وهذا المعقد.. الخ طالما أنه يحيلها إلى فكرة أعني إلى كلي universal وهكذا نجد أنه لابد من سلب الصور التي تظهر عليها الأشياء أمام الوعي لأول مرة فهي تبدو جزئية، وفردية وعابرة، ومتغيرة، ولكنا لكي نعرفها لابد أن نحيلها إلى أفكار والفكرة بطبيعتها : كلية، ودائمة، وجوهرية. وهذا التحول في شكل الظواهر عملية أسياسية للمعرفة يقوم بها الفكر " الطريقة الوحيدة لبلوغ الجوهر الدائم هم تحويل شكل الظاهرة الموجودة أمامنا عن طريق الفكر " ( موسوعة العلوم الفلسفية ص 97)

5- تعلمت أن الإنسان وعي ذاتي، وأن الحيوان وعي ذو بعد واحد فقط، لا يستطيع أن ينعكس علي نفسه، ومن ثم لا يستطيع أن يفكر: يقول هيغل: "على حين أننا نجد الحيوان لا يستطيع أن يقول أنا "، ونجد أن الإنسان هو وحده الذي يستطيع أن يقول ذلك، وما ذاك إلا أن من طبيعته أنه يفكر …." موسوعة ص 103

6- تعلمت أن الفلسفة كل متصل، أن كل مذهب منها يكشف عن جانب من جوانب الحقيقة. سألني طالب شاب " الفلسفة تحيرني:
- ما يقوله أفلاطون صحيح، لكن أيضا ما يقوله أرسطو
- إذا قرأت الماركسية اقتنعت بها، وأصبح الاقتصاد هو الذي يقوم. عندما أقرأ الوجودية التي هي صرخة لإنقاذ الفرد أشعر أنها علي حق في كل ما قالته..
- في حين أنني لا أرتاب في صحة البرجماتية التي تحيل الأفكار إلى عمل نافع وسلوك مفيد.
- المذاهب المادية مهمة وأساسية، وكذلك المذاهب المثالية التي تهتم بالروح …الخ
أين الخلل.. في رأسي أم في هذه المذاهب الفلسفية؟
" المذاهب الفلسفية المختلفة التي يعرضها علينا تاريخ الفلسفة لا يصعب اتفاقها في هوية واحدة. ولكن إذا شئنا أن نقول إنها فلسفة واحدة في مراحل في النضج أو أن أن نقول أن المبدأ الذي يقوم عليه كل مذهب ليس إلا فرعا من كل واحد هو الفكر …" "موسوعة العلوم الفلسفية ص 71).
=)ان الفلسفة بماهي نظر عقلي / فكري في علاقة وطيدة بالكلي لكن السؤال الذي يطرح هو التالي : ما العلاقة بين الكلي والإنساني والعلم والقيم؟

II) البحث في المفاهيم والدواعي والإشكاليات والرهانات

مطلب الكلي:

مامعنى مطلب؟وما معنى الكلي؟ولماذا نطلب الكلي؟وما مسلمات هذا المطلب وما هي رهاناته؟
هل يعني طلب طلب شئ ما او هل يوجد طلب هو طلب للاشئ؟
من البين ان الطلب معناه طلب شئ ما
هل الطلب يريد الشئ الذي يطلبه او لا يريده؟
يريده من غير شك
هل يريد الشئ الذي يطلبه في حالة امتلاكه له او فقده اياه ؟
لعله يريده في حالة فقده اياه
اذن يطلب المرء ما لا يملك ولا يطلب فيما ليس في حاجة اليه
اذن العظيم لا يطلب العظمة والقوي لا يطلب القوة لان من يملك صفة لا يحتاج اليها
=) النتيجة: أوّلا يوجد الطلب مضافا الى شي معين ثانيا هذا الشئ ينقص المرء في الوقت الذي يحتاجه .
هذا الشئ المطلوب/المفقود/المنشود هو الكلي
فهل يمكن القول ان مالا يملك الكلي كليا ؟
هذا محال
هل يمكن القول ان ما لا يملك الانساني انسانيا؟
هل يمكن القول ان ما لا يملك العلم عالما؟
هل يمكن القول ان ما لا يملك القيم قيميا ؟

=) الا ترى ان ما هو كلي هو ما هو انساني وعلمي وقيمي؟
( لا يمكن ان يكون الكلي لاانساني او لا علمي او لاقيمي كانط وتعميم السرقة مثلا)
لكأنّ الكلي مثال الخير الأفلاطوني / الشمس التي توجد خارج الكهف وهو مدار الانساني والعلمي والقيمي .
بما ان الكلي ليس موجودا واقعا متحققا وانما منشود هذا يفترض حالة وسطى لكنها ليست حالة ثابتة / جامدة / منزلة بين المنزلتين وانما هي حركة / جهد / فعل او مطلب وهو ما يبرز من خلال هذه " البينية " سواء تعلق الامر بالانساني او العلم او القيم وهي وضعية اشكالية مازقية تتعارض مع كل ريبية او دغمائية فيما يتعلق بالكلي.
لا يمكن ان يقال ان الاله يطلب الكلي لانه هو كلي والجاهل لا يمكن ان يطلب بدوره الكلي لانه يتوهم امتلاكه ولا يعتقد انه ينقصه شيئا على الاطلاق وبالتالي من يطلب الكلي ليس اله/حكيما ولا جاهلا وانما هو في منزلة بين المنزلتين انه طالب او محب / فيلو للكلي

كلّي: كلّ لفظ يعبر عن أشياء كثيرة بمعنى واحد فهو كلّي سواء كانت هذه الكثرة على مستوى الذهن أو الوجود. إن لفظ حيوان أو إنسان أو نبات، كل هذه الألفاظ تدلّ على أشياء كثيرة بمعنى واحد. على خلاف ذلك فان كل لفظ لا يمكن أن يعبر بمعناه الواحد على أشياء كثيرة فهو جزئي مثل لفظ زيد الذي يعبر بمعنى واحد عن شئ واحد وهو زيد .

لماذا نطلب / ننشد الكلي على مستوى الانساني والعلم والقيم ؟

1) المستوى الأول : الإنساني بين الوحدة والكثرة

المفهمة:
الإنساني: صفة نشير بها إلى الإنسان وما هو إنساني يدل على جملة من الخصائص المشتركة بين الناس وهي جملة من الخصائص المميزة للكائن البشري، سمات تميز الإنسان عن الحيوان < الوعي، اللغة، الحرية > .كما يمكن أن تقال عبارة الإنساني في علاقة بالبربري أو الغريب، المتوحش
ـ الوحدة: <الواحد، الثابت، المطلق، الهوية> الواحد l’un يقال على الفرد أو العنصر من حيث اعتباره جزءا من كثرة من الناحية الكمية ويقال أيضا على كائن بلا أجزاء بتاتا من الناحية الكيفية أي لا يمكن تجزئته ولا بد أن يكون واحدا. كما يقال أيضا على كائن يمكن التمييز بين أجزاء فيه لكنه يشكل عضوية ولا يمكن تقسيمه دون فقدان ما يكونه جوهريا ـ الكثرة: < التعدد، التنوع، النسبية، الاختلاف> الكثير le multiple يقال على ما يتضمن عناصر مختلفة قابلة للعد من الناحية الكمية وحسب هذا المعنى الكثير يقابل الواحد ولا وجود لتعارض بينهما بل هناك اجتماع فكل كثرة تفترض وحدة تعود اليها.

الدواعي:
- خطر الوحدة بما هي الغاء للكثرة
- خطر الكثرة بما هي الغاء للوحدة
- خطر الانية بما هي رفض للغيرية
- خطر الغيرية بما هي انتفاء للانية
- انعدام التواصل من خلال الانظمة الرمزية فاللغة قد تلعب دورا قمعيا/فاشيا وقد تعجز عن النفاذ الى اعماق الذات والاشياء والمقدس قد يستحيل الى افيون للشعوب واداة انعزال الانسان عن ذاته والاخرين والعالم والفن قد يتحول الى اداة اغتراب =) كل هذه الأنظمة الرمزية في واقعنا المعاصر بحكم العولمة التي لا محيد عنها تلعب دورا سلبيا ضد التواصل وضد تحقق الانساني بوجه عام.

الاشكلة:

هل الإنساني يقوم على الوحدة أم الكثرة؟ هل وحدة الإنسانية يمكن أن تقوم على الكثرة؟ وهو ما يعني الانتقال من وحدة تقوم على الهوية الثابتة القائمة على التطابق إلى وحدة تقوم على التنوع والاختلاف؟ ما علاقة الانية بالغيرية؟ هل يمكن أن تقوم الانية بمعزل عن الغيرية أم أن حضور الانية يستوجب الغيرية؟ ما علاقة الخصوصية بالكونية؟هل الخصوصية نفي للكونية آم أن الكونية تقوم على جملة من الخصوصيات < الكثرة>؟ وهل يمكن أن تتحول الخصوصية إلى "كونية"؟ تلغي بقية الخصوصيات بل تعتبر شكلا من أشكال التوحش أو البربرية أو اللاانسانية؟
الملاحظ لما هو إنساني يدرك الكثرة والتنوع والاختلاف بل حتى التناقض في ما يتعلق مثلا بالعادات أو اللغات أو الديانات أو الأفكار أو الأذواق فهل هذه الكثرة يمكن أن تجعل من الوحدة الإنسانية ضربا من التجريد وان الحقيقة ليست
الوحدة وإنما الكثرة وهو ما يؤدي إلى الفراق بين الإنسان والإنسان وربما الصدام.لكن رغم الكثرة والتنوع والاختلاف ثمة من يقول بوحدة الإنسانية فهل يؤدي هذا القول إلى القضاء على فكرة الكثرة والتنوع والاختلاف؟ يقول ادغار موران: "ثمة وحدة إنسانية وثمة تنوع إنساني ، هناك وحدة داخل التنوع الإنساني وثمة تنوع داخل الوحدة الإنسانية" وهو ما يعني أن ما يجمعنا يفرقنا فنحن مثلا توائم باللغة ومتفرقون بالألسن ونحن متشابهون بالثقافة ومختلفون بالثقافات. وبالتالي هناك توتر قائم في صلب الإنساني بين الوحدة والكثرة ألا يمكن الحديث أيضا عن توتر قائم في صلب الانية وتوتر بين الانية والغيرية هل يمكن الحديث عن جدلية الوحدة والكثرة في إطار العلاقة بين الانية والغيرية؟

الرهانات:
- تجديل العلاقة بين الانية والغيرية وتجاوز كل المواقف الوثوقية والريبية
- نشدان التواصل من خلال الانظمة الرمزية وهو مبرر وجودها وتجاوز كل المواقف الايديولجية التي توظف هذه الانظمة من اجل اهداف ضيقة ، اهداف غير انسانية .
- التعايش بين خصوصيات مختلفة في اطار كونية لا معنى لها دون هذه الخصوصيا ت وتجاوز كل اشكال التعصب للخصوصيات ومساوئ العولمة التي تدعي الكونية وهي منها براء.

2) المستوى الثاني : العلم بين الحقيقة والنمذجة

المفهمة:
العلم :
العِلْـمُ، هو كل نوع من المعارف أو التطبيقات. وهو مجموع مسائل وأصول كليّة تدور حول موضوع أو ظاهرة محددة وتعالج بمنهج معين وينتهي إلى النظريات والقوانين. ويعرف أيضًا بأنه "الاعتقاد الجازم المطابق للواقع وحصول صورة الشيء في العقل". وعندما نقول أن "العلم هو مبدأ المعرفة، وعكسه الجَهـْلُ" أو "إدراك الشيءِ على ما هو عليه إدراكًا جازمًا" يشمل هذا المصطلح، في استعماله العام أو التاريخي، مجالات متنوعة للمعرفة، ذات مناهج مختلفة مثل الدين (علوم الدين)و الفلك (علم الفلك) والنحو (علم النحو)...
و بتعريف أكثر تحديدًا، العِلْـمُ هو منظومة من المعارف المتناسقة التي يعتمد في تحصيلها على المنهج علمي دون سواه، أو مجموعة المفاهيم المترابطة التي نبحث عنها ونتوصل إليها بواسطة هذه الطريقة .عبر التاريخ إنفصل مفهوم العِلم تدريجيا عن مفهوم الفلسفة، التي تعتمد أساسا على التفكير والتأمل والتدبر في الكون والوجود عن طريق العقل، ليتميز في منهجه بإتخاذ الملاحظة والتجربة والقياسات الكمية والبراهين الرياضية وسيلة لدراسة الطبيعة، وصياغة فرضيات وتأسيس قوانين ونظريات لوصفها.
من الصعب تعريف العلم . لهذا يقول إدغار موران : ( السِِؤال ما العلم ؟ لا جواب له).
في العصور القديمة كانت كل معرفة تسمى علما . غير أنه منذ القرن 17 م حاول العلماء فصل بعض المعارف التي و صلت إلى درجة من الضبط و الدقة والشمول عن الفلسفة وسموها بالعلم لذلك سميت الفلسفة بأم العلوم لانها مصدر كل معرفة إنسانية .
و قد حاول بعض المفكرين تعريف العلم و من تلك التعريفات مايلي :
1 -تعريف لالاند) : العلم يطلق على مجموعة من المعارف والأبحاث التى توصلت إلى درجة كافية من الوحدة والضبط و الشمول بحيث تفضي إلى نتائج متناسقة فلا تتدخل في ذلك أذواق الدارسين و إنما ثمة موضوعية تؤيدها مناهج محددة للتحقق من صحتها ) .
2 -تعريف جون ديوي ) : العلم هو كل دراسة منظمة قائمة على منهج واضح مستندة إلى الموضعية يمكن أن نسميها علما . سواء أفضت بنا إلى قوانين أو أدت بنا إلى قواعد عامة تقريبية ) .

العِلْم مصدر علِم يعلَم، وهو أصل واحد يدلّ على أََثرٍ بالشيء يتميَّز به عن غيره، وهو نقيض الجهل[1].
قال الجويني: "العلم: معرفة المعلوم على ما هو به في الواقع"[2].
وقال ابن القيم: "هو نقل صورة المعلوم من الخارج وإثباتها في النفس"[3].
وقال الجرجاني: "هو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع"[4].

[1] انظر: مقاييس اللغة (4/109)، ولسان العرب (مادة عَلم).
[2] الورقات (8).
[3] الفوائد (91).
[4] التعريفات (191).
النمذجة:
يعرّف النموذج حسب فاليزار" بما هو كل تمثل لنسق واقعي سواء كان ذهنيا أو ماديا، يتم التعبير عنه بلغة أدبية أو في شكل رسوم بيانية أو رموز رياضية" كما يعرّفه دوران بقوله" يشمل معنى النموذج في دلالته الأكثر اتساعا كل تمثل لنسق واقعي مهما كان شكل هذا التمثل". والنمذجة وفق هذا التحديد هي التمشي المنهجي الذي يفضي إلى إنتاج النموذج والذي يعني التمثل لكائن ما يوجد في الواقع ولكيفية اشتغاله
الحقيقة:
تحددت الفلسفة منذ نشأتها حتى بداية العصور الحديثة بوصفها بحث عن الحقيقة، لذلك فإن مفهوم الحقيقة ينتمي إلى مجال الفلسفة باعتباره مفهوما فلسفيا بامتياز، غير أن تعدد أشكال المعرفة التي تجعل من الحقيقة موضوعا لها يؤدي إلى تعدد الحقائق، ومن تم يمكن الحديث عن حقيقة فلسفية وحقيقة علمية وفنية ودينية...
ان المشكل يتعلق بالحقيقة في العلم المنمذج للواقع فما الذي يدعو للبحث في هذه العلاقة ؟

الدواعي:
- سيادة العلم والتقنية على العالم والانسان بصورة "توتاليتارية" / كليانية حيث اصبح العلم كل شئ تقريبا والخطابات الاخرى لاشئ. وحدها المعرفة العلمية حقيقية وما سواها وهم فالمعرفة التي ليست علما ليست معرفة بل جهل . لقد تم اختزال الكلي في الحقيقة العلمية فما مدى مشروعية هذا الاختزال وهل من المعقول ان نختزل انية الكلي في وحدة جوهرها العلمي/الموضوعي؟
- التحولات او الانكسارات التي شهدها العلم عبر تاريخه الطويل تدعو الى النظر في النمذجة العلمية وبالتحديد في اشكال محدوديتها وعلاقاتها بمطلب الكلي فهل نيأس من الكلي اذا كان الفكر العلمي في حالة ندم مستمر بحكم استمرارية الخطا في مسارات نمذجته للواقع؟
- الازمات التي يعيشها الانسان المعاصر على الرغم من كل الانتصارات العلمية

3) المستوى الثالث: القيم بين المطلق والنسبي
المفهمة:
مفهوم القيم في اللغة:
القيمة واحدة القيم واصله الواو لأنه يقوم مقام الشيء، يقال قومت السلعة ،والاستقامة الاعتدال وقومت الشيء فهو قويم اي مستقيم ،والقوام العدل قال تعالى (وكان بين ذلك قواما)وقوام الرجل ايضا قامته وحسن طوله
والقائم في الملك الحافظ له ، المقام والمقامة المكان الذي تقيم فيه ،وماء قائم أي دائم ،وما لفلان قيمة :اذا لم يدم عى الشيء
مما سبق يتضح ان مادة(قَوَمَ)استعملت في اللغة لعدة معان منها:
- قيمة الشيء وثمنه
- الاستقامة والاعتدال
- نظام الامر وعماده
- الثبات والدوام والاستمرار
ولعل اقرب هذه المعاني لموضوع بحثنا هو الثبات والدوام والاستمرار على الشئء

مفهوم القيم في الاصطلاح:
عرفت القيم في الاصطلاح بعدة تعريفات منها:
أن القيم هي(مستوى أو مقياس أو معيار نحكم بمقتضاه ونقيس به ونحدد على اساسه المرغوب فيه والمرغوب عنه)
كما عرفت بانها: (القواعد التي تقوم عليها الحياة الانسانية وتختلف بها عن الحياة الحيوانية كما تختلف الحضارات بحسب تصورها لها)
وعرفت بانها : (حكم يصدره الانسان على شيء ما مهتديا بمجموعة المبادئ والمعايير التي ارتضاها الشرع محددا المرغوب فيه والمرغوب عنه من السلوك)
ما معنى المطلق والنسبي ؟
المُطلَق في المعجم الفلسفي هو عكس النسبي ويعني «التام» أو «الكامل» المتعري عن كل قيد أو حصر أو استثناء أو شرط، والخالص من كل تعيُّن أو تحديد، الموجود في ذاته وبذاته، واجب الوجود المتجاوز للزمان والمكان حتى إن تجلى فيهما. والمُطلَق مرادف للقَبْليّ، والحقائق المطلقة هي الحقائق القَبْلية التي لا يستمدها العقل من الإحساس والتجربة بل يستمدها من المبدأ الأول وهو أساسها النهائي. ويمكن وصف الإله الواحد المتجاوز بأنه «المُطلَق»، وقد عرَّف هيجل المُطلَق بأنه "الروح" ويُقال «روح العصر» (أي جوهر العصر ومطلقه) و«روح الأمة» (جوهرها ومطلقها).
وفي مجال المعرفة، تعبِّر المطلقية عن اللا نسبية وهي القول بإمكان التوصل إلى الحقيقة واليقين المعرفي بسبب وجود حقائق مطلقة وراء مظاهر الطبيعة الزمنية المتغيِّرة المتجاوزة لها. والمطلقية في الأخـلاق هي الذهاب إلى أن معايير القيم - أخلاقيةً كانـت أم جماليةً - مطلقةٌ موضوعيةٌ خالدةٌ متجاوزةٌ للزمان والمكان، ومن ثم يمكن إصدار أحكام أخلاقية. أما في السياسة، فهي تعني سيادة الحاكم أو الدولة بغير قيد ولا شرط. والدولة المطلقة هي الدولة التي لا تُنسب أحكامها إلى غيرها فمصلحتها مطلقة وإرادتها مطلقة وسيادتها مطلقة.
أما «النسبي»، فهو ينُسَب إلى غيره ويتوقف وجوده عليه ولا يتعيَّن إلا مقروناً به، وهو عكس المطلق، وهو مقيد وناقص ومحدود مرتبط بالزمان والمكان يتلون بهما ويتغيَّر بتغيرهما.
الدواعي:
- استعباد واغتراب الانسان المعاصر الانسان المعاصر في الممارسة الانتاجية
- امبراطورية الشر او الشر المطلق الذي هيمن على حياة الانسان المعاصر وظهور اشكال من السعادة تتناقض مع الانساني مثل التلذذ بتعذيب الاخرين والشذوذ الجنسي كالمثلية الجنسية
- امبراطورية الفوضى وظهور اشكال جديدة من السيادة مثل سيادة القانون الدولي قد تتناقض مع السيادة الوطنية سعيا الى الانتشار الكلي للعولمة على كل الأصعدة
- سيادة اشكال جديدة من الفن في حياتنا اليومية تجعل الجمال مبثوثا في الانساني واللاانساني فالجمال الفني يشتغل على الجسد في اطار منظومة من الافكار( الايديلوجيا) تجعله محددا للانية الانسانية من اجل تحقيق الربح بما هو المبدا المحدد للممارسة الانتاجية =) فالجمال الفني المعاصر ( على الاغلب) تعبير عن حقيقة اقتصادية معولمة تتدعي الكلية
=) القيم بوجه عام سواء ارتبطت بالعمل او الاخلاق او الدولة او الفن تقع تحت طائلة موقفين متناقضين : الموقف الذي ينتصر الى القيمة المطلقة والموقف الذي ينتصر الى القيمة النسبية والموقف الاخر هو الموقف النقدي الذي يبحث في بينية القيم أي يساءل الموقفين المطلق والنسبي نشدانا لكلي انساني( ضد اللاانساني) علمي( متحرر نسبيا من الايديلوجيا بماهي عقيدة فكرية وضد الخرافات والاساطير التي تعدم كل القيم الانسانية )
النتيجة النهائية:
- الكلي المنشود لن يكون حقيقيا ولن يتخلص من الزيف والشبهات الا اذا راهن على الانساني والعلمي والقيمي ( العمل والاخلاق والدولة والفن) =) الطابع المركب لمفهوم الكلي
- الواقع المناقض للكلي المنشود يستوجب مجاهدة انسانية من اجل كسر القيود والاغلال التي تكبل الانسان وتشده الى ظلال الكلي وممارسة ديالكتيكا صاعدا طلبا لنور الشمس او نشدانا للكلي
- مطلب الكلي بما هو مطلب فلسفي خالص او هو المطلب الفلسفي بامتياز لا ن الكلي الذي ينشده العالم او الفنان او رجل الدين ليس الكلي الذي ينشده الفيلسوف فكل هؤلاء يطلبون الكلي اما انطلاقا من المقدس او الجمال او الموضوعي ( فالعالم مثلا يبحث عن الحقيقة الكونية وفقا لمستلزمات العلم سواء درس الطبيعة او الانسان دون ان يفكر في ما هو خارج العلم وكما يقول هيدغر العلم لا يفكر ) بينما الكلي الذي ينشده الفيلسوف هو جدل بين مكونات مختلفة يصدق عيه ما يصدق على هذه العلاقة الربانية في الاية الكريمة من سورة الرحمان (مرج البحرين يلتقيان* بينهما برزخ لا يبغيان) فلكل مكون انيته لكن هناك التقاء بين كل المكونات في الانسان بحثا عن ممارسة ارقى/ طريقة وجود افضل.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق